تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

209

نظرية المعرفة

ونكتفي في المقام بذكر بعض الآيات من سورة الروم المباركة ، يقول تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ * وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ » « 1 » . لقد كان العرب الجاهليون يفرّقون بين الخلق والتدبير ، فينسبون الخلق إلى اللَّه سبحانه ، والتدبير إلى أرباب الأصنام ، فكانوا يعبدونها لتكون لهم شفعاء عند اللَّه ، فجاءت الآيات لتردّ تلك المزعمة ، وتثبت أنّ الخلق والتدبير كليهما للَّه سبحانه ، وأنّه هو المدبّر وبالتالي هو الربّ « 2 » دون غيره ، مستدلة بالشهود على الغيب ، وبالآية على ذيها . وقد رتّبت الآيات المذكورة وصيغت على وجه بديع ، آخذة من بدء خلق الإنسان وتكوّنه ، ثمّ تصنيفه صنفين : ذكر وأنثى ، ثمّ ارتباط وجوده بالسماء والأرض « 3 » ، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم ، ثمّ سعيهم في طلب الرزق ، وسكونهم في منامهم ، ثمّ إراءة البرق ، وتنزيل الأمطار حتّى تحيا الأرض وتصلح لاستفادة الإنسان منها واستنمائها ؛ إلى أن تنتهي الآيات إلى قيام السماء والأرض إلى أجل مسمّى ، ليتم لهذا النوع الإنساني ما قدّر له من أمد الحياة .

--> ( 1 ) . الروم : 20 - 25 . ( 2 ) . الرب في اللغة بمعنى الصاحب ، يقال : ربُّ البستان وربُّ الدار وربُّ القطيع ويراد به من إليه تدبير أمر البستان والدار والقطيع وتلبية جميع مستلزمات نموها وعيشها وبقائها . ( 3 ) . إشارة إلى أنّ المراد من قوله : « وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . » ، ثبات السماء والأرض على وضعهما الطبيعي الملائم لحياة النوع الإنساني المرتبط بهما .